الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

وظائف اليوم والليلة


وظائف اليوم والليلة
الحمد لله وبعد، فللمؤمن كلّ يوم وليلة أعمالٌ صالحة ترفع للسماء، بعضها واجب وبعضها مستحب، هي درجاتٌ في مراتب الجنات، فمستقلٌّ ومستكثر من فضل رب البريات، قد جعلها الله وظائفَ لعمر المؤمن، يزيد بها أجره ويُقربُه بها من مرضاته وجنته.
والمومن الموفّق يبدأ يومه بصلاة الفجر جماعة مع المسلمين في بيت الله تعالى، فحينما تسمع الأذان انهض مباشرة واحذر من نزغات الشيطان التي تدعوك للكسل عن الصلاة. فمن صفات المنافقين: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى). فإن بادرت للمسجد قبل الأذان فأنت من خيرِ مَن أنتَ منهم.
اذكر ربك من حين انتباهِكَ من نومك وأسبغ وضوءك وامش إلى المسجد بسكينة ووقار، ولك بكل خطوة درجة وتكفير خطيئة، كما في الصحيحين.
وعند دخولك المسجد قدّم رجلك اليمنى وقل: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك".
وهناك سنّةٌ راتبة بين الأذان والإقامة، وهي ركعتان خفيفتان، ومما ورد في فضلها قوله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها" رواه البخاري. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعها حضرًا ولا سفرًا، وهي الرغيبة، ويقول: "صلّوها ولو طردتكم الخيل". وإذا كان هذا فضل سنة الفجر، فما بالكم بصلاة الفجر؟! ومن السنة أن تقرأ في الركعة الأولى سورةَ الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد.
ومن فاتته سنة الفجر قبل الصلاة فيشرع أن تُقضى بعد ارتفاع الشمس وإن بعد صلاة الفجر فلا بأس.
واعلم أخي المسلم: إن لصلاة الفجر شأنًا عظيمًا كما قال تعالى: (وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودَاً" وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن صلى البردين دخل الجنة" رواه البخاري، والبردان هما الفجر والعصر.  ومنها أن "من صلى الفجر فهو في ذمة الله" رواه مسلم.
ومن أدلة أهمية صلاة الفجر أن الصحابة كانوا يرون أن التخلف عنها من علامات النفاق، كما قال ابن مسعود: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق".
أخي في الله: يشرعُ لك بعد الفجر أن تبدأ صباحك بأذكار الصباح الواردة عن نبينا صلى الله عليه وسلم التي تجعل قلبك يعيش في رياض الإيمان، (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) فالذكر للروح كالماء للسمك، وقال صلى الله عليه وسلم: "مثلُ الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت" رواه البخاري.
وإذا صليت الفجر فاذكر أذكار الصلاة ثم أتبعها بأذكار الصباح ولا تقم حتى ترتفع الشمس ففيها أجر عظيم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الفجر في جماعة، ثم قَعَدَ يذكرُ الله حتى تطلُع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حَجّةٍ وعمرة تامّة تامّة تامّة». أخرجه الترمذي وحسّنه ووافقه ابن باز والألباني.
ويا عبد الله: لا بد أن يكون لك ورد يومي من القرآن لا يقل عن جزءٍ قد استطاعتك، فلا تهجر كلام ربك فتدخل في شِكاية رسولك صلى الله عليه وسلم، (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا) فليكن لك ورد لا يقطعه إلا الموت، فالأبل ترد الماء لتحيا، وكذلك القلب يردُ القرآن ليحيا، فأحيه بالقرآن ولا تُقسّه بهجره، فأبعدُ القلوب عن الله القلبُ القاسي.
 والموفق يعتني بصلاة الضحى، وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَيامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَأن أوتر قبل أن أنام". ويبدأ وقتها بعد طلوع الشمس بنحو ربع ساعة حتى قبيل الظهر بربع ساعة، وأقلها ركعتان، ولا حدّ لأكثرها.
فإذا أُذّن لصلاة الظهر فيستحب لك صلاة أربع ركعات بسلامينِ قبلها لأنه وقتٌ تُفتح فيه أبواب السماء، ثم صل وركعتين بعد صلاة الظهر، كما جاء في الحديث: "من صلى ثنتي عشرة ركعة بنى له الله بيتاً في الجنة"، وهي أربعٌ قبل الظهر، واثنتان بعده. واثنتان بعد المغرب في البيت واثنتان بعد العشاء في البيت، واثنتان قبل صلاة الفجر.
يا عبد الله، بادر وبكّر للصلاة فإنك لا تزال في صلاك ما كنت في انتظارها فإذا صليت فإن الملائكة تستغفر لك ما دمت في مصلاك مالم تنصرف أو تُحدِث، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم. فلا تستعجل الخروج من المسجد بعد الصلوات، واعمر وقتك بالذكر فأنت في رياض الجنة.
 فإذا دخل وقت العصر استُحِبَّ لك صلاةُ أربع ركعات بسلامين قبل الفريضة، قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً".
وصلاة العصر جِدُ عظيمة، قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) والمراد بالوسطى هي العصر. وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" رواه البخاري.
 فإذا صليت العصر وذكرت أذكارها فلا تقم حتى تذكر أذكار المساء، فإنك أن قمت أَنْسَتْك مشاغلُ الدنيا غنائمَ الآخرة! والمؤمن حازمٌ فطن (والآخرة خير وأبقى).
وتحرمُ الصلاة بعد العصر حتى غروب الشمس مما ليس له سبب، وأما الصلوات التي لها سبب فتجوز في أوقات النهي، كصلاةِ الجنازة والاستخارة والطواف والوضوء وتحيةِ المسجد ونحو ذلك، فيجوز فعلُ كلِّ ذلك حتى في أوقات النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب. ولكن إذا اقترب وقت الغروب أو الشروق أو الزوال فلا تُصلّى حتى ذواتِ الأسبابِ، وذلك لورود التشديد في النهي عن الصلاة فيها، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "ثلاثُ ساعاتٍ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلّي فيهن أو ندفن فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تميلَ، وحين تَضَيَّفُ الشمسُ للغروب حتى تغرب".
فإذا غربت الشمس استُحبّت ركعتان قبل صلاتها، قال صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا قبل المغرب، صلُّوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" رواه البخاري. وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيتُ كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواريَ عند المغرب. رواه البخاري.
فإذا صليت المغرب فصل ركعتين والأفضلُ أن تصليَها في بيتك، قال صلى الله عليه وسلم فيها: "هذه صلاة البيوت" رواه مسلم.
وصلاة العشاء معظّمة في الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: "مَن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" رواه أبو داود بسند صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيمها لأتوهما ولو حبواً" رواه البخاري. وبعد الفراغ من الصلاة يستحب لك صلاة ركعتين، وهي من السنن الرواتب.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزيِّنْهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم ارزقنا حسنَ عبادتك آناء الليل وأطراف النهار.
 وإن من أحب الأعمال إلى الله – فاعلم - الصلاةُ في جوف الليل، فصلاة الليل هي أفضل الصلواتِ بعد الفريضة، وصلاة الليل هي زاد المؤمن وراحته وجَنته وجُنَته، ومن أسباب الأمن يوم القيامةِ قيامُ الليل، قال تعالى: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلًا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلا . إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا) وتدبر رحمك الله قولَ اللهِ عز وجل عن المؤمنين: (تَتَجافى جُنُوبُهُم عن المضاجع يدعون ربَّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم يُنفقون " فلا تعلم نفسٌ مآ أُخفِيَ لهم من قُرَّة أَعْيُنٍ جزآءً بما كانوا يعملون).
فإنّ في الجنة نعيمًا ليس من جنس نعيم الدنيا، بل هو جديدٌ بكل تفاصيله وأسمائه، وليس في الدنيا ما يعبَّرُ عنه به حتى ولو على سبيل التقريب والتشبيه، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: (فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخفِي لهم من قُرَّةِ أعيُنٍ جزاءً بما كانوا يعملون)". فلم يخطُر ذلك النعيمُ على قلبٍ أصلًا، نسأل الله الكريم من فضله. قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قَدِموا عليه لأقرّ تلك الأعين عنده.
وقال الله عن أهل الجنة: (كَانُوا قَلِيلَاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد" رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريلُ فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس" رواه الحاكم والبيهقي وحسنه الألباني.
ولا تنس لا تنس لا تنس أن تذكر الله وتعوه في الثلث الأخير من الليل، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له من يسألُني فأعطيَه من يستغفرُنِي فأغفرَ له" وفي رواية: "حتى ينفجر الصبحُ". متفق عليه. فالغنائم أيها النائم.
 ومن أراد الخير فليعمل بأسبابه ورأسها الاستعانة بالله تعالى وتقواه، وذُكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا نام ليلَهُ حتى أصبح فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أُذنيه" متفق عليه، وهذا فيمن فاته قيامُ الليل؛ فكيف بمن فاتته فريضة الفجر؟! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
ولما اشتكوا للحسن ضعفهم عن التهجد قال: قيّدتكم خطاياكم. وللسلف مع قيام الليل أخبار شريفة.
أخي في الله: إن من توفيق الله لعبده أن يهديَه لعملٍ صالحٍ لا ينقطع بموته، فلا يزال يصعد درجات الجنة حتى بعد رحيله عن دنيا العمل، بكلمةٍ علّمها، أو نفس أسعدها، أو جَوعة أشبعها، أو علّة داواها، أو بئرٍ حفرها، أو جِلدٍ أدفأه، أو ظلامٍ بدّده، أو طريق عبّده، أو نفعٍ سبّله، أو مسجد بناه، ونحو ذلك من مراضي رب العالمين، إنما المقصود مراعاة رأس المال قبل تحصيل الربح، فإن ذهبت العبادة الخاصة فما تلاها أولى بِذَهابٍ.
 وعليك ببناء علمك بالطلب فهو بداية الوصول، والتلاوةِ فهي عطر الروح، والتدبّرِ فهو مفتاح العقل، والحفظِ فهو كنز العلم، والمراجعةِ فهي تأكيدُ الفائدة، والمُدارسةِ فهي لِقاحُ المعرفة، والعلم الذي لا يُدرس يَندرس. وقال إبراهيم بن عبد الواحد موصيًا الضياء المقدسي لمّا أراد الرحلة للعلم: أكثِر مِن قراءة القرآن ولا تتركه؛ فإنه يتيسّر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ. قال الضياء: فرأيت ذلك وجرّبته كثيرًا، فكنتُ إذا قرأتُ كثيرًا تيسّر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي.
وعليك بالدعاء فهو زاد المؤمن وقُوْتُه وسلاحه، وما خاب من دعا، وما ندم من ابتهل، وما خسر من تضرّع. ومِن أعظم أسباب إجابة الدعاء: اليقين بربك، وحسن ظنك به، والثقة بلطفه، والطمأنينة لوجوده وإحاطته وعلمه وقُربُه ورحمته. ومن وصايا طاووس بن كيسان: "إيّاك أن تطلب حوائجك ممن أغلق دونك أبوابه، وجعل دونك حجَّابه، وعليك بمن أمرك أن تسأله، ووعدك الإجابة". (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).
 ولتكن مستمتعًا دومًا بتطهير روحك برياض العبادة وبساتين الذكر، وغسلِ قلبك بالسجود والخضوعِ والضراعة، وعينِك بالتفكر والرقائق والدموع، وصدرِك بمحبة الخير للناس والشفقة عليهم والإحسان إليهم، وبطنِك بكثرة الصيام والصدقة وأكلِ الحلال. وواهًا لمن جمعها.
اللهم صل على محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

 إبراهيم الدميجي
 11/1/1441


الثلاثاء، 3 سبتمبر 2019

(وظنُّوا ألّا ملجأ من الله إلّا إليه)

(وظنُّوا ألّا ملجأ من الله إلّا إليه)
الحمد لله وبعد؛ فاللجأ إلى الله تعالى من لوازم العبودية لله تعالى, ومن سيما المؤمنين, وشيم الصالحين, به يُحفظ المؤمن في دينه ودنياه, وبه يُحرس المؤمن من قِبَلِ الحارسِ الذي لا ينام, والقيومِ الذي لا يغفل, والربِّ الذي لا يُهمِل, وبه يُعان من ربه في كل ما أهمّه, وبه يُرزق في دينه ودنياه, وأُولاهُ وآخرته.
والالتجاء هو طلب الحماية والعون, فهو مركبٌ منهما معًا. ففيه عياذٌ واعتضاد, وطلب تحصيلِ ما يُرتفقُ به ويُحتمى ويُتقوّى به.
فالعبد في هذه الدنيا تكتنفه المتالف من كل جهة, والأعداء من كل مكان – خلا فوقَه – فإن لم يحفظه ربُّه فالضيعةُ ملازمة لمسيره, والهلكةُ متضمنة لمصيره, فلا عاصمَ إلا الله, ولا حافظ إلا الله, ولا هادي إلا الله, ولا إله إلا الله.
قال ربنا تبارك وتعالى في وصف المؤمنين المتعلقين به دون سواه، الهاربين منه إليه: (وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) هذه الآية الكريمة العظيمة وصفت حال المؤمنين الملتجئين إلى الله تعالى بيقين لا يهتزّ ولا يتزعزع, وهذا الالتجاء يزيد حال الشدة ولا ينقص حال الرخاء, ورُبَّ حالٍ يظنّه المرءُ رخاءً وهو أشدّ الشّدة! وذلك كحال النعماءِ بعد الشدة, فكم من مؤمن يصبِر حال الشدة ويَضيعُ ويغفل حال النعمة والرخاء, لذلك فمن صفات المؤمن الصالح دوامُ التجائه إلى ربه تبارك وتعالى, فهو مع الله في رخائه وشدّته, يلجأُ إليه إن خاف غِشيانَ معصية أو كسلًا عن طاعة, أو قَتَرَ غفلةٍ أو وَهَجَ شهوةٍ أو كُلُوحَ خِيفة, فهو مُوقنٌ أنه لا غنى له إلا بالله، ولا حافظ له إلا الله, ولا ملجأ له إلا إليه, وهناك يلقى الأمنَ والحفظ والكلأةَ والستر والسعادة. 
وفي تأمل السيرة العطرة الشريفة للهادي البشير صلواتُ الله وسلامه وبركاته عليه دروس وعبر، تُربّي قلبَ المؤمن على صدق الالتجاء لربّه تبارك وتعالى. فحياتُه كلُّها التجاء لله وإحسانُ عبوديةٍ له سبحانه.
ومن ذلك خبرُ ذهابه لدعوة أهلِ الطائف في شوالَ سنةَ عشرٍ للنبوة, فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ماشيًا على قدميه, ومعه مولاه زيدُ بنُ حارثة, كلما مرَّ على قبيلةٍ في الطريق دعاهم إلى الإسلام فلم يجبه أحد, ووصل إلى الطائف فعمد إلى ثلاثةِ أخوةٍ من رؤساء ثقيف, وهم عبدُ يالِيلِ ومسعودٍ وحبيبٍ أبناءِ عمرو بن عميرٍ الثقفي, فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونُصرة الإسلام, فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا, إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك, ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك, فقام عنهم رسول الله وقال: "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني" (1).
وأقام في الطائف عشرةَ أيامٍ, لا يَدَعُ أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه, فقالوا: اخرج من بلادنا, وأَغروا به سفهاءَهم, فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به, حتى اجتمع عليه الناسُ فوقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة, ويسبونه ورجموا عراقيبه, حتى اختضبت نعلاه بالدماء, وزيدُ بنُ حارثة يقيه بنفسه, فأصابه شِجَاجٌ في رأسه رضي الله عنه.
ولم يزل أولئك السفهاءُ بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى ألجأوه إلى حائط لعتبةَ وشيبةَ ابني ربيعة, على ثلاثة أميال من الطائف، فرفع كفيه، ورُوي أنه دعا ربه بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي, وقلةَ حيلتي, وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين, أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتجهمني, أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري, إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبَك, أو يَحلَّ عليَّ سخطُك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك" (2).
فلما رآه ابنا ربيعةَ تحركت له رحِمُهُما -لأنّهما قرشيان- فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا, يقال له عدَّاس, وقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل, فلما وضعه بين يدي رسول الله مدّ يده إليه وهو يقول: "بسم الله" ثم أكل, فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلاد, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أي البلاد أنت؟" قال: أنا نصراني, من أهل نينوى, فقال رسول الله: "من قرية الرجلِ الصالحِ: يونسَ بنِ متّى؟" قال له: وما يدريك ما يونسُ بنُ متّى؟ قال: "ذاك أخي, كان نبيًّا وأنا نبي" فأكبّ عدّاسٌ على رأس رسول الله ويديه ورجليه يقبّلُهما (3).
ورجع رسول الله في طريقه إلى مكة, وهو في غاية الالتجاء لرب العالمين, قد تبرّأ من حوله وطَوله وقوّته والعالمين، ولجأ لقيومِ السماواتِ والأرضين ومدبّرِ الكون وَفْقَ رحمته وحكمته سبحانه. روى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ عليك من يوم أحد؟ قال: "لقيتُ من قومكِ ما لقيت, وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومُ العقبة, إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلِ بنِ عبدِ كِلالٍ فلم يجبني إلى ما أردت, فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب, -وهو ميقات السيل- (4) فرفعت رأسي, فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني, فنظرتُ فإذا فيها جبريل, فناداني فقال: إن الله قد سمع قولَ قومك لك, وما ردّوا عليك, وقد بعث الله إليك ملكَ الجبال لتأمُرَهُ بما شئتَ فيهم, فناداني مَلَكُ الجبال, فسلّم عليّ, ثم قال: يا محمد, ذلك فما شئت؟ إن شئت أن أطبقَ عليهم الأخشبين" وهما جبلا مكة يحيطان بها, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبدُ الله عز وجل وحده لا يشركُ به شيئًا" (5).
الله أكبر! هكذا كانت إجابة النبيِّ الرؤوفِ الرحيمِ بأمته, الحليمِ الحكيمِ بإذن ربه. فمع كلِّ ما قابله من تكذيبٍ وتحريشٍ وأذى يقولُ: "بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا". لا غرو ولا غرابة فهو الرحمة المهداة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وقد استجاب الله دعاءه وكان عند حسن ظن عبده به, سبحانه وبحمده.
الملتجئُ لربه لا يخيب, والمفتقرُ لغناه لا يحتاج لغيره, والمتوكلُ عليه يكفيه عما سواه, والمعتصم به يحفظه ويحوطه. وتأمل لجوءَ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه لربه في بدر, وهي أعظمُ معركةٍ في التاريخ بإطلاق, وفيها من ظهورِ التجاءِ نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى رب العالمين, وتعلِّقِه به وضراعته إليه ما يكفي السائرين على سنته والمقتفين أثره.
واعلم إن الفلاحَ بحذافيره منوطٌ بالتوحيد, والهلاكَ بالشرك, ويا نفسُ أخلصي تتخلصي, (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت)
قال ابن الجوزي رحمه الله: "يا مخدوعًا قد فُتن! يا مغرورًا قد غُبِن! من لك إذا سُوّي عليك اللّبن؟
أنت في دار شتاتٍ       فتأهب لشتاتك
واجعل الدنيا كيومٍ     صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عند الله     في يوم وفاتك
إخواني! العمر أنفاسٌ تسيرُ بل تطيرُ، والأملُ منامٌ لا تُرى فيه إلا الأحلامُ، هذا سيف الموت قد دنا، هذا الرحيلُ ولا زاد عندنا، انتبهوا من رُقاد الغفلةَ.
أولُ منازلِ الآخرةِ القبرُ، فمن مات فقد حَطَّ رَحْلَ السفر، وسائرُ الورى سائر.
من كان في سجن التّقى فالموت يطلقهُ، ومن كان هائمًا في بوادي الهوى فالموت له حبس يُوثقه.
من كان واثقًا بالسلامة من الجناية فرح بفكّ باب السجن «والدنيا سجن المؤمن» (6).
لما توعّد فرعونُ السحرةَ بالصلبِ أنساهم أملُ لقاءِ الحبيبِ مرارةَ الوعيد ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾ يا فرعون! غايةُ ما تفعل تُحرق الخِيم والركب قد سرى ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ من لاحت له منًى نسي تعب المَدْرَج.
متى رُفعت لها بالغور نار      وقرّ بذي الأراك لها قرارُ
فكلُّ دمٍ أراق السير منها      بحكم الشوق مطلولٌ جُبارُ(7)
لابد للمحبوب من اختبار المحبّ ﴿ولنبلونكم﴾.
أسلم أبو جندل بن سهيل فقيّدَهُ أبوه، فلما نزل رسول الله ﷺ الحديبيةَ خرج أبو جندلٍ يرسُفُ في قيده، فدخل في الصحابة، فقال سهيلُ: هذا أوَّلُ من أقاضيكَ عليه، فاستغاث أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى المشركين فيفتنوني عن ديني، فقال رسول الله ﷺ: «وإنا لا نغدر بهم» (8) فرُدَّ إليهم، فَقَدَمُه يسعى إليهم، وقلبُه يُجهّزُ جيوشَ الحيل في الخلاص، فخلّصهُ الله.
لما أسلم مصعب بن عميرٍ حبسهُ أهلُه، فأفلت إلى الحبشة، ثم قَدِمَ مكة، فدخل على رسول الله ﷺ، فأرسلت إليه أمه: يا عاقُّ! أتدخل بلدًا أنا فيه ولا تبدأ بي؟ فقال: ما كنتُ لأبدأ بأحدٍ قبلَ رسول الله ﷺ، فأرادت حبسه، فقال: والله لئن حبستني لأحرصنّ على قتل من يتعرّض لي، فتركَتْهُ.
عذّبوا بلالًا فأصرّ على الصبر، فسلّموه إلى صيبانهم في حديدة يصهرونه في حرّ مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة، ولسان محبته يقول:
بعينيكَ ما يلقى الفُؤادُ وما لقي        وللشوقِ ما لم يبقَ منّي وما بقي
قَدِمَ الطفيلُ الدّوسيُّ مكة، فقالت له قريشٌ: لا تدنُ من محمد، فإنا نخافُ أن يفتنك، فسدَّ أُذنيه بقطنتين، ثم تفكّر، فقال: والله ما يخفى عليَّ الحَسَنُ من القبيح، فانطلق فسمع من رسول الله ﷺ فأسلم.
قطعتْ قريشٌ لحمَ خبيب، ثم حملوه إلى الجذع ليُصلب، فقالوا: أتُحبُّ أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحبّ أني في أهلي وولدي، وأن محمدًا شِيكَ بشوكة، ثم نادى: وامحمداه! (9).
لما بُعث معاذُ إلى اليمن خرج الرسول ﷺ يُودّعهُ، ودموع معاذٍ ترشُّ طريق الوداع.
كانت الدنيا بمثلهم عَسَلًا، فتعلقمت بمثلنا، خَلَتِ الديار من الأحباب، فلمّا فرغت رُدِمَ الباب".
ولتحذر أيها الملتجئ لربك من مبارزته بالمعاصي في الخلوات, فهي من أسباب الشقاء وذرائع الهلكات, "قال إبراهيم التيمي: كنت كثير التردد إلى المقابر أذكر الموت والبلى, فبينما أنا ذات ليلة بها إذ غلبتني عيناي فنمت, فرأيت قبرًا قد انشقّ, وسمعت قائلًا يقول: خذوا هذه السلسلة فاسلكوها في فيه, وأخرجوها من دبره! وإذا الميت يقول: يا رب ألم أكن أقرأ القرآن, ألم أحج بيتك الحرام؟ وجعل يعدد أفعال البر شيئًا بعد شيء، وإذا قائل يقول: كنت تفعل ذلك ظاهرًا، فإذا خلوت بارزت الله بالمعاصي ولم تراقبه.
وعن عبد الله بن المديني قال: كان لنا صديق فقال: خرجت إلى ضيعتي, فأدركتني صلاة المغرب, فأتيت إلى جنب مقبرة فصليت المغرب قريبًا منها، فبينما أنا جالس إذ سمعت من جانب القبور أنينًا, فدنوت إلى القبر الذي سمعت منه الأنين وهو يقول: آه قد كنت أصوم, قد كنت أصلي, فأصابني قشعريرة، فدعوتُ من حضرني فسمع مثل ما سمعت.
 ومضيت إلى ضيعتي، ورجعت - يعني في اليوم الثاني - وصليت في موضعي الأول, وصبرت حتى غابت الشمس وصليت المغرب, ثم استمعت إلى ذلك القبر, فإذا هو يئن ويقول: آه, قد كنت أصلي, قد كنت أصوم، فرجعت إلى منزلي ومرضت بالحمى شهرين.
وأقول (10): قد وقع لي نظير ذلك، وذلك أني كنت وأنا صغير أتعاهدُ قبرَ والدِي رحمه الله, فخرجت يومًا بعد صلاة الصبح بغلس في رمضان، بل أظن أن ذلك كان في العشر الأخير, بل في ليلة القدر، ولم يكن بالمقبرة أحد غيري، فإذا أنا أسمع التأوه العظيم والأنين الفظيع بآهٍ آهٍ آه, وهكذا بصوت أزعجني مِن قبر مبنيٍّ بالنورة والجُصِّ, فاستمعت فسمعت صوت ذلك العذاب من داخله, وذلك الرجل المعذب يتأوه تأوهًا عظيمًا بحيث يُقلقُ سماعُه القلبَ ويفزعه, فاستمعت إليه زمنًا، فلما وقع الإسفار خفي حسُّه عني، فمر بي إنسان فقلت: قبرُ من هذا؟ قال: هذا قبر فلان, لرجل أدركتُه وأنا صغير، وكان على غايةٍ من ملازمة المسجد والصلواتِ في أوقاتها والصمتِ عن الكلام!
وهذا كلُّه شاهدتُه وعرفته منه, فكبُرَ عليَّ الأمرُ جدًّا لِمَا أعلمُه من أحوالِ الخير التي كان ذلك الرجل متلبّسًا بها في الظاهر، فسألتُ واستقصيت الذين يطّلعون على حقيقة أحواله فأخبروني أنه كان يأكلُ الربا، فإنه كان تاجرًا ثم كبُرَ وبقي معه شيء من الحطام، فلم ترض نفسه أن يأكلَ من جنبه حتى يأتيه الموت, بل سوَلَ له الشيطان محبة المعاملة بالربا حتى لا ينقص مالُه, فأوقعه في ذلك العذاب الأليم حتى في رمضان حتى في ليلة القدر" (11). فلا إله إلا الله ونعوذ به من غضبه وعقابه. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم الدميجي
............................
(1)                        رواه ابن إسحاق (2/419)
(2)                        سيرة ابن هشام 2/420) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (6/35) قال الهيثمي (6/35): فيه ابن إسحاق، وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الالباني في السلسلة الضعيفة ( 6/489 ) قلت: والحديث وإن كان في سنده كلام لتدليس ابن إسحاق, إلا أن معانيه عظيمة شريفة وتلوح عليه أنوار النبوة بأصدق ابتهال وأخلص دعاء وأجمل معنى.
(3)                        ابن إسحاق (2/421)
(4)                        ويسمى قرن المنازل, وهو ميقات أهل نجد والمشرق, ويسمى حاليّاً: السَّيل.
(5)                        البخاري (3231)
(6)                        رواه مسلم (1763)
(7)                        مطلول: مهدور، جبار: هدر.
(8)                        أحمد (19423)
(9)                        انظر قصته في يوم الرجيع، سيرة ابن هشام 2/172 وهذا النداء من باب الوجد والمحبة، وهو معتاد في لسان العرب، وليس مقصوده الاستغاثة والشرك بحال – وحاشاه -.
(10)                  القائل هو المؤلف، أعني به: ابن حجر الهيتمي رحمه الله.
(11)                  الزواجر عن اقتراف الكبائر, للهيتمي (1/  31 -34) باختصار وتصرف يسير.

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

العفاف ضرورة الزمان

العفاف ضرورة الزمان
الحمد لله، وبعد: فإن العفاف تاج أخلاق المؤمنين، وشمس صفات المتقين، وقد أجمعت أمم الأرض على استحسانه، ورفعت صاحبه للمقامات العالية، ذلك أنه لا يكون إلا لشريف النفس سامي الخُلق، مأمون الجوانب الغادرة.
ولقد أثنى الله تعالى على أهله، وجلّلهم بحفظه ومعونته، ووعدهم أجزل العطايا وأكبر الهبات لأنهم تساموا بنقاء أرواحهم وحسن تدينهم عن كل ما يشوب ذلك النقاء أو يخدش جناب الإيمان.
وإنه لخُلُقٌ قلبي قبل أن يكون ظاهرًا، فالقلب العامر بمحبة الله تعالى والحياء منه وحسن الرجاء فيه وعظم الخوف منه وتمام التوكل عليه لا بد أن يثمر ذلك صحيح العفاف، فالعفاف عمل قلب لأنه حركة القلب للصلاح والمباح وكفه وسكونه عن الحرام، فهو عمل من هذه الحيثية، وهو كذلك ثمرة من ثمار أعمال القلوب الزاكية، وظهوره في الثمرة أجلى من العمل.
وحَدُّ العفاف: كف النفس عما لا ينبغي لها. وعلى قدر تحقيقه يقترب صاحبه من كماله في نفسه ورفعته عند ربه.
هذا والعفة أنواع عديدة، وجماعها الكف عن الحرام والاستيحاش منه والازورار بعيدًا عن ذرائعه. وهي منقسمه على الجوارح، وأصولها ثلاثة:
 عفة الفرج وعفة اللسان وعفة البطن، والبقية متفرعة عنها كالعفة في المال والرئاسة والمدح والتكاثر ونحو ذلك.
وإذا ضبط المرء عفته في أنواع العفة الثلاث فقد انتظمت له سائرها، وتيسرت له عواقبها، ويكون حينها قد لبس ثوب العفاف. وهي كالتالي:
 أولًا: العفة عما في أيدي الناس:
 وهي أن يعفَّ عما في أيدي الناس، سواء ببصره أو سمعه أو لسانه أو حتى فكره، وأن يقنع برزق الله له، فهو أحكم وأعلم وأرحم. قال الله تبارك وتعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) وكذلك بأن يترك مسألتهم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة". فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. (1)
ثانيًا: كف اللسان عن الأعراض:
فيجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وألا يقول إلا طيبًا. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". (2) ويتبع اللسان القلم والكتابة. فالقلم هو اللسان الثاني. ويلحق به الكف عن الدماء والازورار عن تخوّضها بلا برهان شريعة. ويتبعه كذلك لحظ العين أو حركة اليد أو غيرهما بازدراء أو همز أو لمز، أو أي أذيّةٍ لأي كائن – حتى لو كان كافرًا أو بهيمة أو طيرًا - لم يأذن بها الله عز وجل.
ثالثًا: عفة الفرج عمّا حرم الله:
وهي أن يعفَّ فرجه عن المحرمات والفواحش. وقد اشتدت الحاجة في هذا الزمان للتذكير به والتنويه بشأن أهله والتحذير من تدنيسه، والله المستعان.
الفرج الحرام حفرة إلى الجحيم، وأكثر أهل النار إنما دخلوا منها ومن اللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار. فقال: «الفم والفرج». (3)
ويتبع عفاف الفرج عفافُ رُسله كالسمع والبصر والكلام وغيرها. يكفي في خبث المعصية مسمّاها لأنها جرأة على مخالفة الجبار جل جلاله ونوع كفر لنعمه التي لا تعد ولا تحصى، فكيف نعصي من لا قوام لنا إلا به؟!
قيمة العفّة وضرورة المؤمن إليها!
إن العفاف برهان التقوى ودليل الاستقامة، فالدنيا بأسرها امتحان صبر واختبار صدق، فمن عفّ وكفّ وصبر لله على الاستقامة فهو المؤمن حقًّا والفاضل صدقًا.
والعفاف ضرورة الزمان، لأنا نعيش زمانًا عاصفًا بكل المقاييس، فأبواب الشهوات المحرمة مشرعة على القلوب الضعيفة بلا رقيب إلا من لدن علام الغيوب!
بل قد تسلطت الشهوات على الشبهات حتى استبطنتها خفية، فصارت الشبهات سلّمًا لبلوغ حظوظ النفس الأمارة بالسوء والفحشاء، ففي الأموال ضعف وازع الخوف من الربا – على سبيل المثال – بسبب اشتباه معاملات الحلال بالحرام، وساعد على ذلك فتاوى لمتفقّهة التيسير – زعموا – الذين يسوّغون للناس أبوابًا ما كان الشيطان يحلم بها في الزمن الأول! فابتدعوا للعامة معاملات تدور هي والربا على رحى واحدة وتصدر من نبع سوء واحد، قد يقترب بعضها حتى يكون ربًا صريحًا أو يتأخر قليلًا بحسب حقيقته، لكنه لا يخرج من المشتبه المذموم. ولا يعني هذا التعميم بحال لا بأوصاف ولا بأشخاص، فثم علماء أهل فضل وورع، وثمّ معاملات أحدثها الناس لا لبس فيها ولا اشتباه، إنما القصد تنبيه النبيه.
وفي الأنكحة اخترع الشيطان للناس طرقًا قذف زخرفها في قلوب بعضهم فروّجوها حتى اشتبه السفاح الذميم بالنكاح الشريف. وحتى لو خالفه في بعض صوره وشروطه لكنه باقٍ في قبيل المشتبهات. فإذا استمرأ العبد المشتبه والمكروه سهل عليه خوض الحرام الصريح، إذ ثوب الإيمان يتقلص عن المؤمن شيئًا فشيئًا مع كثرة اختلاط المشتبهات والمكروهات في قلبه، وينقص حتى لا يطيق مدافعة الباطل ولا مجاهدة الأمّارة!
حتى في أمور السلطان جرت ببعضهم كلاليب شُبَهٍ ارتضعت لَبَانَ الشهوات، فصار دين بعضهم شهوة سلطانه بلسان حاله فأشبهوا إمامية الرفض وطُرُقية الخرافة. 
وفي أمور الرئاسات وسباع الغضب وأدخنة اللهو وقتار الغفلة ما لا يكاد يُحصى تنظيرًا وتطبيقًا.
لذا، كانت قيمة العفاف عزيزة جدًّا في هذا الزمان.
إن العفيف سيد نفسه، غير مستعبد لهواه وطمعه، بل قد علّق ناصية عبادته على وفق شرع ربه، كلّما هبت على نفسه عواصف الشهوات ثبت به العفاف الراسخ في قلبه كالجبل الأشم، يسمو ببصيرته صُعُدًا في مراقي الفلاح، يتنسّم وحي ربه فيتسنّم سبيل رضوانه.
قلبه العامر بالغنى بربه كفاه عفافًا عما سواه، كان في بداية أمره يجاهد نفسه الأمارة حتى رقّاها لتكون لوّامة، فما زال بها حتى اطمأنت وسكنت وابتهجت واغتنت، وأيقنت أن الغِنى - كل الغنى - في الاستعفاف عما لا يحل؛ فكانت من المفلحين. حينها التفت بقلبه العفيف إلى ما خلّفه من حطام وبهرج ثم أشاح عنه عازمًا على لزوم ذلك المنهج، وأي منهج؟! إنه سبيل الله وصراطه ودينه ورضوانه.
يقرأ قول ربه الحاضّ على لزوم طريق العفة بكل أنواعها في البطن والفرج والمال والجوارح وهو يرى تكرار الأمر به في الشريعة: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) فغض البصر يسبقه غض القلب عن خطرات الحرام ويثمر منه حفظ الفرج وصيانته.
 وقال سبحانه آمرًا أمرًا حاسمًا جازمًا قاطعًا لكل تسويل باطل وتسويغ ذريعته: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) فعليهم العفاف ومن الله لهم الغنى. والفقر ليس بعذر في الخطيئة: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) وقد تكفّل الله تعالى لأهل العفاف بالغنى والمعونة، فقد بشرنا صلى الله عليه وسلم بوعد الله تعالى للمتعففين، وهو الوعد الذي أحقّه على نفسه كرمًا وامتنانًا وهو لا يخلف الميعاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف». (4)
ويتذكّر الصدّيق الذي رمى كل شهوة الدنيا خلف ظهره صارخًا في وجه الهوى: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) فعافاه مولاه: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) حفظه ربه بالعفاف لإخلاصه ونقائه وصدق توحيده فصرف حفرة الغفلة عنه عليه السلام.
لقد كانت العفة محورًا من محاور دعوة النبي العفيف الكريم صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، فلقد كان العفاف حاضرًا في حياته يفعله قبل قوله، فقد كان العفيف الكامل في زمنٍ لم يكن يُستنكر فيه طمع الهوى الظلوم، فقد كان هو الصادق الأمين، والأمين هو المستأمَن على كل ما يخشى عليه تلف الاستطالة من دم أو عرض أو مال.
لقد كان العفاف من الأصول الأولى للإسلام، فقد كان الأمر به واضحًا صريحًا من البداية، فقد ذكره أبو سفيان رضي الله عنه لهرقل حينما سأله عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في شأن كلام هرقل لأبي سفيان ومن معه من رجالات قريش، وفيه: "ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف.." (5)
والعفيف غني بقناعته وطيب نفسه وانشراح صدره، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة». (6)
لقد كان العفيف الأكبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه يعلي قيمة العفة ويُثنى على الناس بها، إذْ كان العفاف من معايير الإيمان لديه.
وتأمل حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في أوصاف أهل الجنة وأهل النار وكيف كان العفاف ظاهرًا جليًّا معتبرًا ويكأنه الميزان لغيره من الخصال، فحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا". وقال: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق. ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم. وعفيفٌ ذو عيال". (7)
وحتى عند أعنف أمر وهو القتل فعفاف المؤمن حاضر هنالك، فلا يتعدى ولا يمثّل فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعفّ الناس قتلة: أهلُ الإيمان». (8)
ومن أدعيته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لربه تعالى: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى". (9)
والعفيف موعود على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بالجنة، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». (10)
واعلم أن من أعظم أسباب العفاف صدق الدعاء والثقة بالعطاء وحسن الظن بمن هو أرحم بنا من أنفسنا، والعطاء أحب إليه من المنع، ويفرح إن دُعي وسُئل واستُعين واستُغيث واستُنصِر واستُغنِي.
وأكرِم بهذه البشارة النبوية للمتعففين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرض عليّ أولُ ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه». (11)
فتأمل كيف وصفه بالعفاف والتعفف، ذلك أن النفس مهما كانت سامية عن الدنايا فإنه لا يزال يعرض لها ما يكاد يصرفها عن استقامتها، فكان العبد في حاجة دائمة للمجاهدة بالتعفف، وفيه معنى استمرارية المجاهدة بالتعفف.
إن العفاف خلق يسموا بالنفس جدًّا ويرفعها وينزهها عن الإهانة والمذلة حتى مع ضيق ذات اليد، ولا بد للعفيف من قناعة تبرد لواعج حاجته وتشبع نهمة فاقته.
ولله أبي الحسن النعيمي إذ يقول:
إِذَا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ الِّلئام ... كَفَتْكَ القَنَاعَةُ شِبْعاً وَرِيَّا
فَكُنْ رَجُلاً رِجْلُهُ فِي الثَّرَى ... وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا
أَبِيّاً لِنَائِلِ ذِي ثَرْوَةٍ ... تَرَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبِيَّا
فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الحَيَاة ... دُوْنَ إِرَاقَةِ مَاءِ المُحَيَّا (12)
هذا ويتأكد العفاف جدًّا – بمعناه العام -  في أزمنة المجاعات أو الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل ويستطيل البشر في الدماء والأموال والأعراض، وهو حديث عزيز جدًّا حريّ بنشره وإشهاره، ففعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وأردفني خلفه وقال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: «تعفّف».
قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر- كيف تصنع؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «اصبر».
قال: «يا أباذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت (13) كيف تصنع؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك». قال: فإن لم أُتْرَك؟ قال: «فائت من أنت منهم (14) فكن فيهم». قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «إذًا تشاركهم فيما هم فيه! ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف (15) فألقِ طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك». (16) إذن فمن العفاف ما يكون في الدماء، وهو أعظم العفاف، والله المستعان.
وهاتِكَ لفتةً عظيمة جميلة في شأن العفاف وهي أن المرء في سيره لإعفاف نفسه ومن يعول فهو مكتوب من أهل سبيل الله، فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جَلَدِه ونشاطه. فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ (17) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان خرج يسعى على ولده (18) صغارًا (19) فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان (20)». (21)
هذا والعفاف الخالص لله عز وجل من أكبر أسباب كشف الكربات بإذن الله تعالى، وتأمل حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار. وفيه: "فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا"(22)
هذا وعفيف البطن موعود بالفلاح، ولفظ الفلاح هو أشمل لفظٍ لخيري الدنيا والآخرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه». (23)
فسِرُّ العفاف إذن هو القناعة!
وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه". قلت: تصديق ذلك في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". (24)
ذلك أن المال عزيز بأيدي أصحابه ولا يهون عليهم أخذه من أيديهم، بل إنهم ليصولون دونه صيال السباع الضواري (وتحبون المال حبًّا جما) فكما أنه يهمّهم ويسوقهم تحصيله فكذلك يؤرقهم ويروقهم حفظه، فالشّح مغروز في نفوس البشر، فمن أراد مزاحمتهم عليه قَلوه وأبغضوه إلا من سخت نفسه منهم لأمر خارج عن ذلك كزهد أو غياث أو تحبّب أو صدقة ونحو تلك الرغائب. فأقل الناس أهل القناعة، وأقل قليلهم أهل الزهادة!
واعلم أن فتنة النساء أشد من فتنة المال عند بعضهم، والعكس صحيح لدى آخرين، وكل امرئ قد ركّب فيه ضعف وميل بحكم بشريّته فيستحكم في جهة دون الأخرى، وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفتنتين فقال في شأن النساء: «ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء». (25) وقال في فتنة شأن المال: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». (26) فلدى بعض الناس ميل غريزي للنساء أكثر بكثير من ميله لجمع المال، ولدى آخرين طمع وجشع وشح وهلع للمال مع زهده في أمر النساء، والشيطان يشمّ قلب عدوه وابن عدوه آدم فحيثما وجد ضعفًا ولج منه، سواء من هذين البابين أو من سواهما كحب الرئاسة أو محبة الظلم أو غير لك.
وقد جمعهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خَضِرة (27) وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء». (28) ففتنة المال من أوّليات فتنة الدنيا للعالمين.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم يإحسان.
إبراهيم الدميجي
.....................................
1.    أبو داود (1643) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1643)
2.    البخاري (10)
3.    أحمد (2/ 472، 2/ 291) قال محقق جامع الأصول (11/ 694): رواه ابن حبان في صحيحه، وهو حديث صحيح بشواهده. وابن ماجه (4246)
4.    أحمد (7416) والترمذي وحسّنه (1655) وجوّد إسناده ابن باز في حاشية بلوغ المرام (765)
5.    البخاري، الفتح 6 (2941) واللفظ له. ومسلم (1773)
6.    أحمد (2/ 177) (6661) واللفظ له وقال الشيخ أحمد شاكر (10/ 139): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 301) (886)
7.    مسلم (2865)
8.    أبو داود (2666) واللفظ له. وأحمد (1/ 393) (3727) وقال شاكر: إسناده صحيح (5/ 275)
9.    مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (2721)
10.البخاري (6474)
11.الترمذي (1642) وقال: حديث حسن واللفظ له. أحمد (2/ 425) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن (18/ 137)
12.سير أعلام النبلاء (17 / 447)
13.حجارة الزيت: موضع بالمدينة في الحرة سمى بها لسواد الحجارة ولمعانها حتى كأنما طلبت بالزيت، والمراد: أن الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها لكثرة القتلى. وهذه إشارة إلى وقعة الحرة التي كانت زمن يزيد من الدماء.
14.أي: أهلك وعشيرتك ممن كان على عفافك وورعك.
15.أي: إن غلب ضوء السيف وبريقه عينك ونفسك وخشيت أن تقاتل فغطّ وجهك حتى يقتلك فتكون ابن آدم المقتول لا القاتل. وهذا خاص في أزمنة الفتن أما في غيرها فالمدافعة هي السنة لما رواه مسلم 1/87 (140) (225) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: "هو في النار".
16.أبو داود (4261) وصححه الألباني (3/ 803) وابن ماجه (3958) والحاكم (4/ 424) وأحمد (5/ 149، 163) واللفظ له.
17.قالوا هذا لمحبتهم الجهاد في سبيل الله وضنّهم بأشداء الرجال إلا يتوانوا عن تلك المواقف التي يُعزّوا بها دين الله، فأرشدهم صلى الله عليه وسلم بلطفه المعهود إلى أن فضل الله واسع وأن سبيله يشمل من كان ساعيًا في شأن عفافه وعفاف عياله.
18.الولد يشمل الذكر والأنثى، وفي التنزيل: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
19.يتبع الصغار من كان في حكمهم لمرضه أو إعاقته ونحو ذلك، وخصهم بالذكر إخراجًا للأقوياء من الأولاد حتى لا يتواكلوا ويكونوا عالة يقتاتون على جهد غيرهم وقد أغناهم الله بالقوة.
20.فالاعتبار أنما هو بالنيات.
21.رواه الطبراني في الكبير (19/ 129) وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (3/ 63)
22.البخاري (3465)
23.مسلم (1054)
24.أخرجه ابن ماجه ( 4102 ) والحاكم ( 4/313 ) وحسنه النووي في الرياض.
25.متفق عليه.
26.الترمذي ( 2336 ) وقال: حديث حسن صحيح غريب.
27.خَضِرَة: غضَّة ناعِمَة طريَّة نضِرة كالثمرة الطيبة.
28.مسلم ( 7124 )