الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

العفاف ضرورة الزمان

العفاف ضرورة الزمان
الحمد لله، وبعد: فإن العفاف تاج أخلاق المؤمنين، وشمس صفات المتقين، وقد أجمعت أمم الأرض على استحسانه، ورفعت صاحبه للمقامات العالية، ذلك أنه لا يكون إلا لشريف النفس سامي الخُلق، مأمون الجوانب الغادرة.
ولقد أثنى الله تعالى على أهله، وجلّلهم بحفظه ومعونته، ووعدهم أجزل العطايا وأكبر الهبات لأنهم تساموا بنقاء أرواحهم وحسن تدينهم عن كل ما يشوب ذلك النقاء أو يخدش جناب الإيمان.
وإنه لخُلُقٌ قلبي قبل أن يكون ظاهرًا، فالقلب العامر بمحبة الله تعالى والحياء منه وحسن الرجاء فيه وعظم الخوف منه وتمام التوكل عليه لا بد أن يثمر ذلك صحيح العفاف، فالعفاف عمل قلب لأنه حركة القلب للصلاح والمباح وكفه وسكونه عن الحرام، فهو عمل من هذه الحيثية، وهو كذلك ثمرة من ثمار أعمال القلوب الزاكية، وظهوره في الثمرة أجلى من العمل.
وحَدُّ العفاف: كف النفس عما لا ينبغي لها. وعلى قدر تحقيقه يقترب صاحبه من كماله في نفسه ورفعته عند ربه.
هذا والعفة أنواع عديدة، وجماعها الكف عن الحرام والاستيحاش منه والازورار بعيدًا عن ذرائعه. وهي منقسمه على الجوارح، وأصولها ثلاثة:
 عفة الفرج وعفة اللسان وعفة البطن، والبقية متفرعة عنها كالعفة في المال والرئاسة والمدح والتكاثر ونحو ذلك.
وإذا ضبط المرء عفته في أنواع العفة الثلاث فقد انتظمت له سائرها، وتيسرت له عواقبها، ويكون حينها قد لبس ثوب العفاف. وهي كالتالي:
 أولًا: العفة عما في أيدي الناس:
 وهي أن يعفَّ عما في أيدي الناس، سواء ببصره أو سمعه أو لسانه أو حتى فكره، وأن يقنع برزق الله له، فهو أحكم وأعلم وأرحم. قال الله تبارك وتعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) وكذلك بأن يترك مسألتهم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة". فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. (1)
ثانيًا: كف اللسان عن الأعراض:
فيجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وألا يقول إلا طيبًا. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". (2) ويتبع اللسان القلم والكتابة. فالقلم هو اللسان الثاني. ويلحق به الكف عن الدماء والازورار عن تخوّضها بلا برهان شريعة. ويتبعه كذلك لحظ العين أو حركة اليد أو غيرهما بازدراء أو همز أو لمز، أو أي أذيّةٍ لأي كائن – حتى لو كان كافرًا أو بهيمة أو طيرًا - لم يأذن بها الله عز وجل.
ثالثًا: عفة الفرج عمّا حرم الله:
وهي أن يعفَّ فرجه عن المحرمات والفواحش. وقد اشتدت الحاجة في هذا الزمان للتذكير به والتنويه بشأن أهله والتحذير من تدنيسه، والله المستعان.
الفرج الحرام حفرة إلى الجحيم، وأكثر أهل النار إنما دخلوا منها ومن اللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار. فقال: «الفم والفرج». (3)
ويتبع عفاف الفرج عفافُ رُسله كالسمع والبصر والكلام وغيرها. يكفي في خبث المعصية مسمّاها لأنها جرأة على مخالفة الجبار جل جلاله ونوع كفر لنعمه التي لا تعد ولا تحصى، فكيف نعصي من لا قوام لنا إلا به؟!
قيمة العفّة وضرورة المؤمن إليها!
إن العفاف برهان التقوى ودليل الاستقامة، فالدنيا بأسرها امتحان صبر واختبار صدق، فمن عفّ وكفّ وصبر لله على الاستقامة فهو المؤمن حقًّا والفاضل صدقًا.
والعفاف ضرورة الزمان، لأنا نعيش زمانًا عاصفًا بكل المقاييس، فأبواب الشهوات المحرمة مشرعة على القلوب الضعيفة بلا رقيب إلا من لدن علام الغيوب!
بل قد تسلطت الشهوات على الشبهات حتى استبطنتها خفية، فصارت الشبهات سلّمًا لبلوغ حظوظ النفس الأمارة بالسوء والفحشاء، ففي الأموال ضعف وازع الخوف من الربا – على سبيل المثال – بسبب اشتباه معاملات الحلال بالحرام، وساعد على ذلك فتاوى لمتفقّهة التيسير – زعموا – الذين يسوّغون للناس أبوابًا ما كان الشيطان يحلم بها في الزمن الأول! فابتدعوا للعامة معاملات تدور هي والربا على رحى واحدة وتصدر من نبع سوء واحد، قد يقترب بعضها حتى يكون ربًا صريحًا أو يتأخر قليلًا بحسب حقيقته، لكنه لا يخرج من المشتبه المذموم. ولا يعني هذا التعميم بحال لا بأوصاف ولا بأشخاص، فثم علماء أهل فضل وورع، وثمّ معاملات أحدثها الناس لا لبس فيها ولا اشتباه، إنما القصد تنبيه النبيه.
وفي الأنكحة اخترع الشيطان للناس طرقًا قذف زخرفها في قلوب بعضهم فروّجوها حتى اشتبه السفاح الذميم بالنكاح الشريف. وحتى لو خالفه في بعض صوره وشروطه لكنه باقٍ في قبيل المشتبهات. فإذا استمرأ العبد المشتبه والمكروه سهل عليه خوض الحرام الصريح، إذ ثوب الإيمان يتقلص عن المؤمن شيئًا فشيئًا مع كثرة اختلاط المشتبهات والمكروهات في قلبه، وينقص حتى لا يطيق مدافعة الباطل ولا مجاهدة الأمّارة!
حتى في أمور السلطان جرت ببعضهم كلاليب شُبَهٍ ارتضعت لَبَانَ الشهوات، فصار دين بعضهم شهوة سلطانه بلسان حاله فأشبهوا إمامية الرفض وطُرُقية الخرافة. 
وفي أمور الرئاسات وسباع الغضب وأدخنة اللهو وقتار الغفلة ما لا يكاد يُحصى تنظيرًا وتطبيقًا.
لذا، كانت قيمة العفاف عزيزة جدًّا في هذا الزمان.
إن العفيف سيد نفسه، غير مستعبد لهواه وطمعه، بل قد علّق ناصية عبادته على وفق شرع ربه، كلّما هبت على نفسه عواصف الشهوات ثبت به العفاف الراسخ في قلبه كالجبل الأشم، يسمو ببصيرته صُعُدًا في مراقي الفلاح، يتنسّم وحي ربه فيتسنّم سبيل رضوانه.
قلبه العامر بالغنى بربه كفاه عفافًا عما سواه، كان في بداية أمره يجاهد نفسه الأمارة حتى رقّاها لتكون لوّامة، فما زال بها حتى اطمأنت وسكنت وابتهجت واغتنت، وأيقنت أن الغِنى - كل الغنى - في الاستعفاف عما لا يحل؛ فكانت من المفلحين. حينها التفت بقلبه العفيف إلى ما خلّفه من حطام وبهرج ثم أشاح عنه عازمًا على لزوم ذلك المنهج، وأي منهج؟! إنه سبيل الله وصراطه ودينه ورضوانه.
يقرأ قول ربه الحاضّ على لزوم طريق العفة بكل أنواعها في البطن والفرج والمال والجوارح وهو يرى تكرار الأمر به في الشريعة: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) فغض البصر يسبقه غض القلب عن خطرات الحرام ويثمر منه حفظ الفرج وصيانته.
 وقال سبحانه آمرًا أمرًا حاسمًا جازمًا قاطعًا لكل تسويل باطل وتسويغ ذريعته: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) فعليهم العفاف ومن الله لهم الغنى. والفقر ليس بعذر في الخطيئة: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) وقد تكفّل الله تعالى لأهل العفاف بالغنى والمعونة، فقد بشرنا صلى الله عليه وسلم بوعد الله تعالى للمتعففين، وهو الوعد الذي أحقّه على نفسه كرمًا وامتنانًا وهو لا يخلف الميعاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف». (4)
ويتذكّر الصدّيق الذي رمى كل شهوة الدنيا خلف ظهره صارخًا في وجه الهوى: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون) فعافاه مولاه: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) حفظه ربه بالعفاف لإخلاصه ونقائه وصدق توحيده فصرف حفرة الغفلة عنه عليه السلام.
لقد كانت العفة محورًا من محاور دعوة النبي العفيف الكريم صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، فلقد كان العفاف حاضرًا في حياته يفعله قبل قوله، فقد كان العفيف الكامل في زمنٍ لم يكن يُستنكر فيه طمع الهوى الظلوم، فقد كان هو الصادق الأمين، والأمين هو المستأمَن على كل ما يخشى عليه تلف الاستطالة من دم أو عرض أو مال.
لقد كان العفاف من الأصول الأولى للإسلام، فقد كان الأمر به واضحًا صريحًا من البداية، فقد ذكره أبو سفيان رضي الله عنه لهرقل حينما سأله عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في شأن كلام هرقل لأبي سفيان ومن معه من رجالات قريش، وفيه: "ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف.." (5)
والعفيف غني بقناعته وطيب نفسه وانشراح صدره، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة». (6)
لقد كان العفيف الأكبر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه يعلي قيمة العفة ويُثنى على الناس بها، إذْ كان العفاف من معايير الإيمان لديه.
وتأمل حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في أوصاف أهل الجنة وأهل النار وكيف كان العفاف ظاهرًا جليًّا معتبرًا ويكأنه الميزان لغيره من الخصال، فحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا". وقال: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق. ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم. وعفيفٌ ذو عيال". (7)
وحتى عند أعنف أمر وهو القتل فعفاف المؤمن حاضر هنالك، فلا يتعدى ولا يمثّل فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعفّ الناس قتلة: أهلُ الإيمان». (8)
ومن أدعيته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لربه تعالى: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى". (9)
والعفيف موعود على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بالجنة، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». (10)
واعلم أن من أعظم أسباب العفاف صدق الدعاء والثقة بالعطاء وحسن الظن بمن هو أرحم بنا من أنفسنا، والعطاء أحب إليه من المنع، ويفرح إن دُعي وسُئل واستُعين واستُغيث واستُنصِر واستُغنِي.
وأكرِم بهذه البشارة النبوية للمتعففين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرض عليّ أولُ ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه». (11)
فتأمل كيف وصفه بالعفاف والتعفف، ذلك أن النفس مهما كانت سامية عن الدنايا فإنه لا يزال يعرض لها ما يكاد يصرفها عن استقامتها، فكان العبد في حاجة دائمة للمجاهدة بالتعفف، وفيه معنى استمرارية المجاهدة بالتعفف.
إن العفاف خلق يسموا بالنفس جدًّا ويرفعها وينزهها عن الإهانة والمذلة حتى مع ضيق ذات اليد، ولا بد للعفيف من قناعة تبرد لواعج حاجته وتشبع نهمة فاقته.
ولله أبي الحسن النعيمي إذ يقول:
إِذَا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ الِّلئام ... كَفَتْكَ القَنَاعَةُ شِبْعاً وَرِيَّا
فَكُنْ رَجُلاً رِجْلُهُ فِي الثَّرَى ... وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا
أَبِيّاً لِنَائِلِ ذِي ثَرْوَةٍ ... تَرَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبِيَّا
فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الحَيَاة ... دُوْنَ إِرَاقَةِ مَاءِ المُحَيَّا (12)
هذا ويتأكد العفاف جدًّا – بمعناه العام -  في أزمنة المجاعات أو الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل ويستطيل البشر في الدماء والأموال والأعراض، وهو حديث عزيز جدًّا حريّ بنشره وإشهاره، ففعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وأردفني خلفه وقال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: «تعفّف».
قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر- كيف تصنع؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «اصبر».
قال: «يا أباذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت (13) كيف تصنع؟». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك». قال: فإن لم أُتْرَك؟ قال: «فائت من أنت منهم (14) فكن فيهم». قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «إذًا تشاركهم فيما هم فيه! ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف (15) فألقِ طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك». (16) إذن فمن العفاف ما يكون في الدماء، وهو أعظم العفاف، والله المستعان.
وهاتِكَ لفتةً عظيمة جميلة في شأن العفاف وهي أن المرء في سيره لإعفاف نفسه ومن يعول فهو مكتوب من أهل سبيل الله، فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جَلَدِه ونشاطه. فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ (17) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان خرج يسعى على ولده (18) صغارًا (19) فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان (20)». (21)
هذا والعفاف الخالص لله عز وجل من أكبر أسباب كشف الكربات بإذن الله تعالى، وتأمل حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار. وفيه: "فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا"(22)
هذا وعفيف البطن موعود بالفلاح، ولفظ الفلاح هو أشمل لفظٍ لخيري الدنيا والآخرة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه». (23)
فسِرُّ العفاف إذن هو القناعة!
وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه". قلت: تصديق ذلك في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". (24)
ذلك أن المال عزيز بأيدي أصحابه ولا يهون عليهم أخذه من أيديهم، بل إنهم ليصولون دونه صيال السباع الضواري (وتحبون المال حبًّا جما) فكما أنه يهمّهم ويسوقهم تحصيله فكذلك يؤرقهم ويروقهم حفظه، فالشّح مغروز في نفوس البشر، فمن أراد مزاحمتهم عليه قَلوه وأبغضوه إلا من سخت نفسه منهم لأمر خارج عن ذلك كزهد أو غياث أو تحبّب أو صدقة ونحو تلك الرغائب. فأقل الناس أهل القناعة، وأقل قليلهم أهل الزهادة!
واعلم أن فتنة النساء أشد من فتنة المال عند بعضهم، والعكس صحيح لدى آخرين، وكل امرئ قد ركّب فيه ضعف وميل بحكم بشريّته فيستحكم في جهة دون الأخرى، وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفتنتين فقال في شأن النساء: «ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء». (25) وقال في فتنة شأن المال: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». (26) فلدى بعض الناس ميل غريزي للنساء أكثر بكثير من ميله لجمع المال، ولدى آخرين طمع وجشع وشح وهلع للمال مع زهده في أمر النساء، والشيطان يشمّ قلب عدوه وابن عدوه آدم فحيثما وجد ضعفًا ولج منه، سواء من هذين البابين أو من سواهما كحب الرئاسة أو محبة الظلم أو غير لك.
وقد جمعهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خَضِرة (27) وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء». (28) ففتنة المال من أوّليات فتنة الدنيا للعالمين.
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم يإحسان.
إبراهيم الدميجي
.....................................
1.    أبو داود (1643) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1643)
2.    البخاري (10)
3.    أحمد (2/ 472، 2/ 291) قال محقق جامع الأصول (11/ 694): رواه ابن حبان في صحيحه، وهو حديث صحيح بشواهده. وابن ماجه (4246)
4.    أحمد (7416) والترمذي وحسّنه (1655) وجوّد إسناده ابن باز في حاشية بلوغ المرام (765)
5.    البخاري، الفتح 6 (2941) واللفظ له. ومسلم (1773)
6.    أحمد (2/ 177) (6661) واللفظ له وقال الشيخ أحمد شاكر (10/ 139): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 301) (886)
7.    مسلم (2865)
8.    أبو داود (2666) واللفظ له. وأحمد (1/ 393) (3727) وقال شاكر: إسناده صحيح (5/ 275)
9.    مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (2721)
10.البخاري (6474)
11.الترمذي (1642) وقال: حديث حسن واللفظ له. أحمد (2/ 425) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن (18/ 137)
12.سير أعلام النبلاء (17 / 447)
13.حجارة الزيت: موضع بالمدينة في الحرة سمى بها لسواد الحجارة ولمعانها حتى كأنما طلبت بالزيت، والمراد: أن الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها لكثرة القتلى. وهذه إشارة إلى وقعة الحرة التي كانت زمن يزيد من الدماء.
14.أي: أهلك وعشيرتك ممن كان على عفافك وورعك.
15.أي: إن غلب ضوء السيف وبريقه عينك ونفسك وخشيت أن تقاتل فغطّ وجهك حتى يقتلك فتكون ابن آدم المقتول لا القاتل. وهذا خاص في أزمنة الفتن أما في غيرها فالمدافعة هي السنة لما رواه مسلم 1/87 (140) (225) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: "هو في النار".
16.أبو داود (4261) وصححه الألباني (3/ 803) وابن ماجه (3958) والحاكم (4/ 424) وأحمد (5/ 149، 163) واللفظ له.
17.قالوا هذا لمحبتهم الجهاد في سبيل الله وضنّهم بأشداء الرجال إلا يتوانوا عن تلك المواقف التي يُعزّوا بها دين الله، فأرشدهم صلى الله عليه وسلم بلطفه المعهود إلى أن فضل الله واسع وأن سبيله يشمل من كان ساعيًا في شأن عفافه وعفاف عياله.
18.الولد يشمل الذكر والأنثى، وفي التنزيل: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
19.يتبع الصغار من كان في حكمهم لمرضه أو إعاقته ونحو ذلك، وخصهم بالذكر إخراجًا للأقوياء من الأولاد حتى لا يتواكلوا ويكونوا عالة يقتاتون على جهد غيرهم وقد أغناهم الله بالقوة.
20.فالاعتبار أنما هو بالنيات.
21.رواه الطبراني في الكبير (19/ 129) وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (3/ 63)
22.البخاري (3465)
23.مسلم (1054)
24.أخرجه ابن ماجه ( 4102 ) والحاكم ( 4/313 ) وحسنه النووي في الرياض.
25.متفق عليه.
26.الترمذي ( 2336 ) وقال: حديث حسن صحيح غريب.
27.خَضِرَة: غضَّة ناعِمَة طريَّة نضِرة كالثمرة الطيبة.
28.مسلم ( 7124 )

فضيلة التواضع

فضيلة التواضع
يا عبد الله تواضع، فالتواضع في موضعه رفعةٌ وعزٌّ، والله تعالى قد جعل أكرم الناس أتقاهم، لا أنسبهم ولا أعلمهم ولا أكثرهم مالًا وولدًا وجاهًا، وتعظُم الرزية حين يكونُ المتفاخِرُ طالب علم! وتأمّل كيف كان الرجل يدخل على الرسول ﷺ وهو بين أصحابه فيسألهم: أيّكم محمد؟ لقد كان صلى الله عليه وسلم مدرسةً متكاملة في كل خصال الخير. وقد كانت جواري الحيّ الصغيرات ينتهين بغنمهن إلى أبي بكر الصديق فيقول لهن بكل تواضع: "أتُحبِبْنَ أن أحلبَ لكنَّ حَلْبَ ابن عفراء"؟
فحدّث نفسك على الدوام ألّا تظن أنها أفضل من أحد من المسلمين، فإن أبت فذكّرها الثلاث: أنّك لا تعلم باطِنَه؛ فقد يكون خيرًا من باطنك، ولا تعلمُ قَبولك عند ربك؛ فقد تكون أعمالك رُدّت، ولا تعلم خاتمته وخاتمتك. ويا أيها الفاني تواضع. واعلم أنك ترتفع وتسمو في قلوب الناس على قدر اتّضاعك العفويّ لهم، وتسقطُ من عيونهم وتتّضع في صدورهم على قدر ترفّعك عنهم وتكبّرك عليهم.
وإنّ لكل إنسان قصةَ حياة كاملة، قد تكون أعجب مما تتصوّر، وله أحاسيسه المُفعمة بألوان المشاعر مهما رأيت فراغ كينونته، وكلّ شَخص لدَيه قصة حُزنٍ بداخله، فرِفقًا بِمن تحبُون، ولا تحقرنّ من البشر أحدًا. وتأمل مليّا أول قصة في التاريخ. واعلم أن بعض صورها يتكرر فيك وبك، فتدبر واستلهم العبر. إنها: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وكن كأبيك الصالح لا عدوِّك الرجيم. وإن رأيت من أحدٍ ذنبًا تتعاظَمُهُ؛ فلا تحجُرَنَّ عنه رحمة الله وهدايته، فإنك لا تعلم خابيته ولا خاتمته، ولقد قال عامر بن ربيعة رضي الله عنه يومًا: لا يُسلم الذي رأيتُ – أي عمر -حتى يُسلم حمار الخطاب! فما هو إلا زمن ليس بالطويل؛ وإذ بعمر قد صار وزيرًا مُقرّبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزًّا للإسلام، وغيظًا للشيطان وحزبه، وأميرًا للمؤمنين.
واعلم أنّه ليس من عادة الصدرِ الأوّل تصديرُ الأسماء بألقاب التفخيم كسموّه، ومعاليه، وفضيلته، ولا بحرف الدال والميم، ولا تقديم النسب على الاسم، بل كانوا أهل تواضع وبساطة وعفويّة. كما أنّه ليس من شرط العلم والثقافة نيل الشهادات العُرفيّة، فالرافعي والعقاد اللذان أسمعا آذان الدنيا شهادتُهما هي الابتدائية فقط، كما أنّ بعض كبار العلماء وفحول الفقهاء ونحارير العلم في هذا الزمان ليس لهم شهادة ولا منصب أصلًا، فلا تغترّ بالزبد وانفذ للصَّريح.
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ...  وأذلّ الشركُ الشريفَ أبا لهب
هذا وإن الأصل في الفخر بالنسب هو المنع مهما كان شرفُهُ إلا في الحرب، وذلك لأمرين:
1-عمومات النهي عن التفاخر بالحسب والنسب، ولا استثناء إلا بدليل.
2-أنّ شرف النسب لا يخلو من كونه نعمةً في الدنيا فيكون حاله كالمالِ والمتاع ونحوه؛ فلا يُشرع الفخر به، أو أن يكون نعمةً دينية كالإيمان والفقه؛ فالمنعُ من التفاخر به آكد.
 ومهما يكن من أمر؛ فالمرءُ لا يوزن بماله ولا نسبه ولا لحمه، بل بدينه وعلمه وعقله وأدبه. قال شيخ الإسلام: "ليس في كتاب الله آيةٌ واحدةٌ يُمدح فيها أحدٌ بنسبه ولا يُذمُّ أحدٌ بنسبِه". وقال الرجيم يومًا مفتخرًا بأصله، متعاليًا على نبي كريم، خلَقَه الله بيده، ونفخ فيه من روحه: (أنا خيرٌ منه) فمَنْ تعَالى على الناس بنسبه؛ فشيخُهُ إبليس، ومن تعالى عليهم بماله؛ فشيخُه قارون، وعلمٌ لا يقرّب من الله؛ لا خير فيه. وخيرُ أصلٍ تنتسب إليه هو أصل الإسلام (هو سماكم المسلمين) فهو النّسبُ الذي يستحق الغبطة حقًّا. وتفكّر في العِندية في قول الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وتأمل قوله ﷺ: "أنا سيّد ولد آدم ولا فخر". فحتى في مقام السيادة على جميع البشر؛ تبرّأ من الافتخار على أحدٍ منهم، فهو يتحدّثُ بنعمة الله لا يفتخر. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "غلط من ألغى فضيلة الأنساب، وغلط من ظنّ أنها تفضيلٌ بتعيين الشخص، والحقُّ أنّها فضيلةُ جُملة، وفضيلةٌ لأجل المظنّة والسبب، أما فضيلة التقوى ففضيلة تعيين".  ومثال ذلك في معادن الأرض لمن ينقبون عن الذهب، فنراهم يُركّزون البحث في بقاعٍ معيّنة أكثر من غيرها، لأنّه في الأغلب تكثر فيها عروق الذهب أكثر مما عداها، مع علمهم أنّه قد توجد في البقاع التي رغبوا عنها عروق أفضل وأجود مما ظنّوه في الأولى، فالمسألة مسألة غلبة ظنّ بوجود الصفات الحسنة في كذا وكذا، وقد لا توجد في الحقيقة، وقد توجد ناقصة، وقد يوجد في غيرها أفضل منها. ومن ذلك أنّ جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، ولكن يوجد من الأنصار كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعبادة بن الصامت وغيرهم أشخاص أفضل من كثير من المهاجرين، فعاد الأمر للمَظِنَّة والأغلبية، لا التعيين بالذات، وبكل حال:
إن يختلف ماءُ الوصالِ فماؤنا  ...  عذبٌ تحدّرَ من غمامٍ واحدِ
أو يختلف نسبٌ يؤلفُ بيننا   ...  دينٌ أقمناه مقام الوالدِ
ولا تهتم للون بشرتك في الدنيا، فمصيرها للدود، ولا لنسبك فهو للفناء، ولكن اهتم لبياض وجهك غدًا بين يدي ربك (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وإنما يُحمدُ المرء بما له تصرُّفٌ فيه؛ كخُلُقه الحسن، وعلمه النافع، وعمله المبرور، وسجاياه الكريمة، أما ما سواه فلا يعوَّل عليه. وعلى المؤمن أن يقنعَ بقدَرِ الله له مما ليس له حيلةٌ في كسبه ولا دفعه؛ كجنسه ولونه ونسبه وزمانه، ومن الضياع مدافعة ذلك. وعند عتبةِ الموت تذوبُ كل الفروق. وإنّ جمالُ الصورة وعدمها ليس بمُكتَسب، فلا يُذمُّ المرء على أمرٍ لم يصنعه لنفسه، لكنّ الأخلاق مُكتسبة، فهي محل الحمد والذمّ. ولما سأل رجلٌ آخر عن نسبه ليضع من قدره أجابه: "يا هذا، نسبُكَ ينتهي بك، ونسبي يبدأ بي"! ومنه قول الأول:
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ...  ليس الفتى من يقول كان أبي
 ومما يؤلم المؤمنَ أنَّ نبرةَ الازدراء للعنصر المختلف لا تزال سائدة لدى كثير من المسلمين، فلا يزالُ بعض قومنا إذا ذكر العنصر المختلف بلونه أو نسبه أو شكله أو جنسيته أو إقليمه نَبَزَهُ، وليس مراد كثيرهم التوضيح بل نظرة الدون، وهذا التلوّث المعياري لا يسلم منه بلدٌ من بلاد الإسلام، لكنه يزداد في بلدٍ عن غيره بحسب نفخة الشيطان لأهله، وربُّ العزة يقول: (هو سماكم المسلمين) فبئسًا لأوضار الجاهلية، وتعسًا لمروط الخيلاء!
أبِي الإسلامُ لا أب لي سِواهُ  ...  وإن افتَخرُوا بقيسٍ أو تميمِ
وعند طروءِ الحسبِ والسلالة الطيبة التي عُنيت بمعالي الأمور على قلب العاقل؛ فإنها تُثمرُ الهمَّة العالية، وسموَّ النفس عن سفساف الأمور، والبعدِ عن كلّ ما يشين، وتدفُقُ في صدره التواضع الصادق. أمّا إن وردت قلب السفيه؛ فإنها تثمر الكبرَ، والغرور، والتّيه، والدوران حول ذواتٍ قد فَنَت، والفخرَ بما ليس له، والغفلةَ عما خُلِقَ له. ومَنْ تواضع ارتفع، ومن تعالى اتّضع، ولا يتواضع إلّا من كان واثقًا بنفسهِ، ولا يتكبَّر إلا من كان عالمًا بنقصهِ.
لسنَا وإن كَرُمَتْ أوائلُنا ...  يومًا على الأحساب نتّكلُ
نَبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعلُ مثلَ ما فعلوا
ومن فروع ذلك؛ كثرةُ الحديث وطول النقاش عند مسألة التفضيل بين الذكر والأنثى، والذي ينتهي إليه فضلاء العقلاء: أنّ المسألة في جوهرها: تكاملٌ لا تفاضل.
وخيرٌ لك ألّا ترى ذاتك. فكن في غبراء الناس، إن حضرتَ لم يأبهوا لك، وإن غبتَ لم يَفقدوك. واكسرْ صولةَ عُجبِك بتذكُّرِ ذنبك، وتَعاظُمَ نفسِك بنقصك وفنائك، وحِرصِك بحتم قضائك، وطولِ أملك باقترابك كلّ مرحلة من موعد رحيلك. واعبر الدنيا بالعبادة، ولا تعمرها بالغفلة. وأحسِنْ علاقتك بالحي القيوم، ثم الْتَحِف بقيّةَ عُمُرِك.
قال ابن القيم رحمه الله: "إذا أراد الله بعبده خيرًا؛ سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغَلَهُ برؤية ذنبه، فلا يزال نُصبَ عينيه حتى يدخل الجنة". فمن التوفيقِ لكلّ ناصح لنفسه: أن يجعل نصب عينيه دومًا ذنوبًا سالفة، وأن يستعظمها بلا قنوط، كسرًا لسورة الكبر في نفسه، وقرْعًا لصولة عبادته وتديّنه، وما أقرب التائب من ربه: (إن الله يحب التوابين). فيا صاحبي: كن مخلصًا في غير خنوع، صادقًا في غير غفلة، شريفًا في غير تيه. واعلم أنّ علامة العظَمة: التواضع، وأمارة الجبن: البطش بالضعيف، وبرهان العقل: الاستعداد للقاء الله تعالى. والورع قيد التقوى، والتقوى جماع الخير. وإذا أردت تعلّم علمٍ؛ فاعترف بجهلك به أوّلًا.
ويا عبد الله؛ ازهد في الرئاسة زُهدك في الميتة، فحبُّ الرئاسة من فروع حبِّ الدنيا، وهو آخرُ ما يسقط من رؤوس الصدّيقين، فترى الرجلَ من أزهد الناس في المال والمتاع، حتى إذا هزهزهُ منصبٌ أو رئاسةٌ؛ تهالك على تحصيله تهالُكَ الغريق بالخشبة، ونسيَ ما كان يُوعظُ به. وسبيلُ الموت غايةُ كلِّ حيٍّ.
ولِحُب الرئاسة علامات، قال شيخ الإسلام: "وطالب الرئاسة -ولو بالباطل -ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلًا، وتُغضبه الكلمة التي فيها ذمّه وإن كانت حقًّا. والمؤمن ترضيه كلمةُ الحق له وعليه، وتغضبه كلمةُ الباطل له وعليه؛ لأنّ الله تعالى يُحبُّ الحقّ والصدق والعدل، ويبغض الكذب والظلم".
 وشتّان بين من وصفهم ربهم بقوله: (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) وبين: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) والقبورُ مليئة بهؤلاء وأولئك، ونحن سِراعًا على الأثر. ولكلِّ جيلٍ فِتَنُه.
ولا تفرح بالشهرة، فالأضواء مُحرقة، وقد كان السلف يغبطون المجتهد الخفي. وإنّ الزهد في الدنيا ليس محصورًا في المال فقط، إنّه أكثر من ذلك وأشدّ، وأهونُ الزهد هو الزهد في المال، ولكلِّ نفسٍ رُكنٌ تضعُف فيه، وبابٌ يولَجُ على حُرْمَتِها منه. وإبليسُ يشمّ القلبَ ويُدرك باب ضعفه الذي يلج منه، فاحذره. (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) وكتبَ سفيان الثوري لأخٍ له: "واحذرْ حُبَّ المنزلة؛ فإنَّ الزّهادة فيها أشدُّ من الزهادة في الدنيا". فازهد في الثناء، وازهد في الرئاسة، وازهد كذلك في المال، وفي كلِّ ما لا ينفعُ في الآخرة.
وعليك بالورع في لسانك ويدك وبطنك وجوارحك، ولا تحفل بما لا ينفعك في مبعثك، وأولى عنه ما تخشى مغبتّه، ورُبّ لُعاعةِ دنيا؛ حجبتْ رضوان الله! ولو عُرِضَتْ عليك حسناتٌ نضيرَ مبلغ مالي، فهل ستشتريها، أو عُرِضَ عليك حملُ بعضِ أوزارك عنك مقابل مبلغ مالي، فهل ستقبل؟! هل تعلم أنّك تأخذ ذلك من الخلق إذا انتهكوا لك حقًّا؟ وأنّك تعطيهم ذلك إذا انتهكت لهم حقًّا، فغدًا يومُ الدينونة.
وكثيرٌ من سور القرآن العظيم تُختم بمواعظ عميقة ترقّق قسوة القلوب، فما ظنك بختام القرآن كله وهو قول الله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) فما أعظمه من وداع، وما أجلّها من خاتمة، وهي آخر عهدٍ نزل من السماء، وآخر وصية لي ولك من الله العظيم، فتأملها وتدبرها وتفكّرْ فيها، فأنتَ المعنِيُّ بها.
إبراهيم الدميجي


حَسّن إسلامك

حَسّن إسلامك
مرَّ رجلٌ بعامر بن عبد القيس وهو يأكل ملحًا وبقلًا، فقال له: يا عبد الله، أرضيتَ من الدنيا بهذا؟ فقال: "ألا أدلُّك على من رضيَ بشرٍّ من هذا"؟ قال: بلى، قال: "من رضيَ بالدنيا عوضًا عن الآخرة". وكان محمد بن واسع رحمه الله يُخرج خبزًا يابسًا فيبلُّه بالماء ويأكلُه بالملح ويقول: "من رضي من الدنيا بهذا؛ لم يحتج إلى أحد". قال شيخ الإسلام: "إخراجُ فضولِ المال والاقتصار على الكفاية أفضلُ وأسلمُ وأفرغُ للقلب وأجمعُ للهمِّ وأنفعُ في الدنيا والآخرة".
وأبلغُ من ذلك قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همَّهُ؛ فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيّته؛ جمعَ الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
قُمْ في الدِّجَى واتلُ الكتاب ولا تنمْ ... إلا كنَومةِ حائرٍ ولْهانِ
فلربَّما تأتي المنيّةُ بغتةً ...   فتُسَاقُ من فُرُشٍ إلى الأكفانِ
يا حبَّذَا عينانِ في غَسَقِ الدُّجَى ...  من خشيةِ الرحمن باكيتانِ
فيا عبد الله؛ دع ما لا يعنيك. فمن انشغل بعيوب نفسه وتحصيل مصالحها؛ اشتغل عن عيب غيره وتتبع أموره. قال طاووس بن كيسان رحمه الله: "نِعْمَ صومعةُ الرجلِ بيته؛ يكف فيها سمعه وبصره". إنّ عمر الإنسان للدنيا كعمرِ شهابٍ عابرٍ بالنسبة لعمره، وبعدَ فوات الأوان ستدرك أنّك قد أهدرت بلا طائلٍ أثمنَ ما لديك: وقتك. وتذكّر أنّ صلاحيةَ جسدك قرابةَ الستين سنة أو السبعين، وهو معرّض للتلف قبلها، ومُعتركُ المنايا من الستين إلى السبعين، فمن تجاوز السبعين فهو من القليل. ولو علمَتِ الوردةُ قِصرَ عمرها ما تبسّمَتْ.
فهنّ المنايا أيّ وادٍ سلكتُه   ...   عليها طريقي أو عليّ طريقُهَا
 وفي العشرين بدايات نضج العقل حتى الأربعين مع طروء عوارض طيش. ومن الأربعين حتى الستين استحكام العقل والجسد، وغالبُ منجزات البشر قد نحتوها في خريطة الزمان وهم في هذه المرحلة التي تُعَد رأس الهرم الإنساني. وحقيقٌ بما بعد الستين أن يُسمّى العمر الجميل، إذِ اجتمع فيه الهدوء والسكينة والراحة والحكمة والزهد لمن سلم من آفات الروح. كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا.
          دَعْ عَنكَ ما قَدْ فات في زَمَنِ الصِّبا ...  واذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنبُ
واخشَ مناقَشَة َ الحِسَابِ فإِنَّه   ...   لا بدّ يُحصى ما جنيتَ ويُكتبُ
لم يَنسَهُ المَلِكانِ حين نَسِيتَه ...   بَل أَثبَتَاهُ وَأَنتَ لاهٍ تَلعَبُ
والروحُ فيكَ وديعةٌ أودِعْتَها   ...  سترُدَّها بالرغم منكَ وتُسلبُ
فيا صاحب العشرين والثلاثين: اعلم أنّ أكثر أهلَ القبور من الشباب. ويا من طرقت الأربعين والخمسين: هلّا تنبّهت إلى أنّك في ثلث عمرك الأخير إن سرتَ كما رحل الأكثرون، ويُسارُ بك وإن لم تسِر، وتأمل طلائعَ مشيبك فهي رسل نضوج ثمرة العمر التي اقترب قِطافُها. ويا أيها الكهل الستيني: أَعْذَرَ اللهُ إليكَ أنْ بلّغَكَ الستين فما عُذْرُك إليه! فيا محطةَ الرحيل الأخير: أغلقي باب الإقلاع؛ فقد حان السفرُ للآخرة، وقد أنْجَدَ من رأى حَضَنًا، (وأن إلى ربك الرجعى). قال ابن الجوزي: "أعجبُ خلائقِ الخلائق: محسنٌ في ليل شبابه، فلمّا لاح الفجرُ؛ فَجَر".
              أضحتْ خَلاَءً وأضحى أهلُها احْتَمَلوا ... أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَدِ
وكلّ ذنب -مهما تعلّقت نفسُك به -سيأتيك يومٌ وترحلُ عنه للأبد، إن لم يكن بتوبتك واختيارك؛ فبعجزك أو وفاتك، فاتركه الآن قبل ألا يتركك غدًا أمام الديّان. وعند دنو الرحيل؛ تُشرق حقائقُ الضمائر، فالزمخشري الذي قعّد لنفي الصفات الاختيارية عن الله تعالى، لمّا دنت وفاته؛ لم يرحل إلا وقد طبع الكاغد بماتع ابتهاله: يا من يرى مدّ البعوض جناحها..
وتفكّر طويلًا في آية طه فهي كافية في تعريةِ جسدِ الدنيا وكشفِ حقيقةِ زيفِها: (ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزوجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى). وما بكت العرب على شيء كما بكت على الشباب، وقد بكاه الفضلاء والعقلاء والعلماء والعُبّاد.
شَيئَانِ لَوْ بَكَت الدُّمُوعَ عَلَيهمَا ... عينَايَ حتى يُؤذِنَا بذَهَابِ
لم يَبلُغَا المِعشَارَ مِنْ حقَّيهِما ...  فَقدُ الشَّبابِ وفُرقَةُ الأَحبابِ
فلماذا هذه اللوعة على مرحلة عمريّة مضت؟ الجواب: أنّ الصالحين يبكونها لأنها النشاط والقوة لصالح الأعمال، فالشابّ يتهجّد ما شاء من الليل، فيتّخذ الليل جَمَلًا يحمله لعِلّيّين، ولا يشتكي حكّةَ جِلْدِهِ وضعْفَ نفَسِهِ ووهنَ عظامِهِ، ويحفظ ما شاء من القرآن والأذكار والعلم فلا تخونه ذاكرته بضعفه وتشويشه ونسيانه، ويصوم ما شاء ولا يشتكي ضعفه وظمأهُ وهزاله، ويضرب وجوه الكافرين بيده لا يشتكي عجزه وارتخاءه وزمانته، ويقرأ ما شاء من كتاب الله بقوةِ بصرٍ وصفاء ذهن واستظهارٍ للتدبر والتفكّر، وغير ذلك من العبادات التي يساعد عليها التلذُذ بها وقودُ الشبيبة. فتلذَّذ بطاعات مولاك قبل ذبول الجسد وانحناء الظهر وصياح نقيِّ العظام من أمراض الشيخوخة.
ونُحْتُ على الشبابِ بدمعِ عينِي ... فمَا نَفَعَ البُكاءُ ولا النَّحِيبُ
فَيَا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يومًا ... فأُخبرهُ بمَا فَعَلَ المَشِيبُ
 أما من بكى عليه لضياع شهواته؛ فقد خاب وخسر، بل الأَولى أن يفرح بها مِنْ هذه الحيثيةِ؛ كي لا تشوّش عليه مسيره الذي اقتربت نهايته. وقد سئل شيخ كبير حكيم عن حالِه مع كِبَره فقال بفرح: "الحمد لله، ذهب الشبابُ وشرُّه، وأقبل المشيب وخيرُه، إن قمتُ؛ قلتُ: باسم الله، وإن قعدت؛ قلتُ: الحمد لله، فأنا أحبّ هذا الخير".
إنّ الحياة غالية جدًّا، ولا تُبذل إلا لما هو أغلى وأحب، والوقتُ هو الأجزاء المُقيمة لهذه الحياة، فلا يُجاد به إلا لما هو أنفس، فيا هذا: وقتُك هو حياتك. ألم ترَ أن الزمن يمضي أسرع من أن نتأمله! هكذا هي الأعمار، فكلها أيام باقية دونها أيام، ونستكمل رزقنا في هذه الدنيا، ثم نرحل عنها إلى ربنا. ولقد قال السلف: "علامةُ المقتِ؛ إضاعة الوقت".
توفي رجلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لا تدري، فلعلّه تكلّم بما لا يعنيه، أو بخلّ بما لا يغنيه". وجِماعُ ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه".  فَحَسِّنْ إسلامك - رعاني الله وإياك -. ومن جميل ما قالوا: "تَمْضِيةُ ﻭﻗﺘﻚ ﺑﺎﻟﺴﻌﻲ ﻹﺩﺧﺎﻝ ﻧﻔﺴﻚ ﺍﻟﺠﻨﺔ، ﺃﻭﻟﻰ بك ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻌﻲ لإﺛﺒﺎﺕ ﺃﻥّ ﻏﻴﺮﻙ ﺳﻴﺪﺧﻞ ﺍﻟﻨﺎﺭ".
لذا فمن المهمات: أن ينشغل المؤمن بما ينفعه مما خُلق لتحقيقه وهو العبادة، وألّا يستغرق وقته فيما لا ينفع، حتى وإن نَزَعَتْ نفسُه إليه وحاولت تزيينه في عينيه، فلها مع العقل مسارب وحِيَل تُتِيهُهُ فيها أحيانًا، فلا يصحو إلا بعد مضي زمان من نفيس عمره.. فقد ذهبت ليلى فما أنت صانعُ!
ولكم سلبت شبكاتُ التواصل من أوقاتٍ لو صرفت في عمارة آخرة أو حراثة دنيا؛ لكانت ثمارها نافعة، ولكنّها فتنة الزمان وهي الثقب الأسود للأوقات. وأشدّ من ذلك السيلُ المغرق بالشبهات والشهوات في هذا العصر. وإنه لمن الغبن الشديد أن ترى عدوّك يشاركك في تربية ولدك رغمًا عنك، فقد دخل بقنواته وأفلامه وأفكاره لداخل غرف نومهم، والله المستعان.
 ولك أن تعلم أن العمليّات الذهنية لطلب العلم كالحفظ والتفهّم والتأمل ونحوها يحتاج العقل فيها نَفْسًا صافية، غير مزدحمة المشاعر فرحًا أو ترحًا أو غيره، لذلك أرشد الله تعالى لناشئة الليل وقرآن الفجر، لأن الذهن فيهما أصفى ما يكون. فأين ذهنك في تلك الأوقات!
ولقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتمنّى أنه كان طيرًا يؤكل أو شجرة تعضد مع بشارته التامة بالجنة، وبنحو ذلك قال عثمان وطلحة وعائشة وهم بالجنة مبشّرون، ومن الناس من يمشي بين الناس آمنًا مكرَ الجبار كأنّما قد بُشّر بالجنة! فإنما يخاف المرء من الله ويخشاه على قدر علمه به، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) والخشيةُ خوف مع علم. وإنّ خوف المُبّشّرين بالجنة؛ إنما هو خوف الهيبة والجلال والخشية، لمعرفتهم عظمة الله وكبرياءه وإحاطته وغناه سبحانه، وليس كخوف القانطين. والجمهور على تغليب الخوف وقت العافية والنشاط، وعلى تقديم الرجاء حال المرض، مع الموازنة بينهما.
 واحذر غدرات الخطايا الخفيّات، فعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأعلمنَّ أقوامًا مِن أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضًا؛ فيجعلُها اللهُ عزّ وجلّ هباءً منثورًا". قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنَا؛ ألّا نكوَن منهم ونحن لا نعلم. قال: "أما إِنّهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوامٌ إذا خلَوا بمحارم الله انتهكوها". ومن رام المكارم اجتنب المحارم. ومن درر الإمام الشافعي رحمه الله: "أعزّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قلّة، والورعُ في خلوة، وكلمةُ الحق عند من يُرجى أو يُخاف".
واجعل بينك وبين المحرمات حاجزًا مِنْ ترك المكروهات حِمىً لورعك وحفظًا لأمانتك، قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: "أعمالُ البِرِّ يُطيقها البرُّ والفاجرُ، ولكن لا يصبر عن المعاصي إلا صدِّيق". وقال الحجاج بن يوسف: "الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه". والقاعدة المضطردة التي لم ولن تنخرم: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. وتأمل عَقْرَ سليمان عليه السلام خيله غضبًا لله إذ ألهته عن صلاة العصر؛ فعوّضه الشكور الحميد عنها بالريح: (تجري بأمره رخاء حيث أصاب).
ولقد قال صلى الله عليه وسلم: "كلّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له". فاحذر أن يكون تيسيرك لعمل أهل الشقاوة! ولا تأمن مكر الله تعالى، وتذكر صفات جلاله كما تتذكر صفات جماله. وتدبر قوله تعالى: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة) فقد بُغتوا بعذاب ليس له مقدمات.
يا راقدَ الليلِ مسرورًا بأوّلِهِ   ...  إنّ الحوادثَ قد يطرُقنَ أسحارًا
إبراهيم الدميجي